تسعة عشر حكمًا بالسجن مدى الحياة. هكذا تختتم روسيا رسميًا هذا الأسبوع الفصل القضائي من اعتداء كروكوس سيتي، الذي أسفر عن 150 قتيلًا في مارس 2024. أربعة مسلحين، خمسة عشر متواطئًا، جميعهم خلف القضبان حتى آخر أنفاسهم. لقد تحدثت العدالة الروسية، يسدل الستار، تفضلوا بالمرور.
لكن خلف هذا العرض الجنائي الكبير، تكمن مسألة تتجنب موسكو تناولها بعناية: كيف تمكن أربعة رجال مسلحين من تحويل أمسية موسيقية إلى مذبحة استمرت لساعات، في بلد يراقب مواطنيه حتى في مشترياتهم اليومية من الخبز؟
فعالية العدالة الروسية: سريعة كالصاعقة، غامضة كالكريملين
دعونا نعترف: عندما تريد روسيا الحكم، لا تتأخر. عامان بين الاعتداء والأحكام النهائية، هو فن عظيم مقارنة بالمعايير الغربية. في فرنسا، كنا سنشهد نقاشات حول التأهيل القانوني للوقائع. في الولايات المتحدة، سيكون المحامون يتفاوضون على الحقوق المشتقة من المحاكمة. في كندا، كنا سنتساءل عما إذا كان المتهمون قد حصلوا على خدمات ترجمة مناسبة.
لكن هذه الفعالية تخفي واقعًا أقل إشراقًا: محاكمة كروكوس سيتي تشبه أكثر تمرينًا في التواصل منها بحثًا عن الحقيقة. وفقًا للمصادر المتاحة، بما في ذلك فرانس 24 التي تصف هذا الاعتداء بأنه "أسوأ هجوم جهادي في البلاد منذ أكثر من 20 عامًا"، تجنبت المناقشات بعناية الأسئلة المحرجة.
لأنه، كيف تمكن أربعة أفراد من دخول قاعة تتسع لـ 6000 شخص، وفتح النار لساعات، وإحداث 150 قتيلًا دون أن تتدخل قوات الأمن الروسية — التي تشتهر بوجودها... لنقل، بوجودها الملحوظ — بشكل فعّال؟
التناقض الأمني الروسي: مراقبة الجميع، وحماية لا أحد
إليكم التناقض الروسي الكبير: دولة تتجسس على محادثات واتساب لمواطنيها، تتعقب المعارضين حتى أقاصي الأرض، تضع كاميرات التعرف على الوجه في كل زاوية، لكنها تعجز عن منع أربعة رجال من ذبح 150 شخصًا في قاعة حفلات.
الصين، على سبيل المثال، كانت ستحدد المشتبه بهم قبل حتى أن يشتروا تذاكر قطارهم إلى موسكو. الولايات المتحدة كانت ستنشر فرقة عمل مشتركة مع اختصارات غير مفهومة. فرنسا كانت ستفعل مستوى "أحمر معزز" من فيجيبيرات. كندا... حسنًا، كندا كانت ستعتذر لعائلات الضحايا مع وعد بتشكيل لجنة تحقيق.
لكن روسيا؟ تفضل روسيا الحديث عن العقاب بدلاً من الوقاية. من الأسهل إدانة الجناة من شرح لماذا تمكنوا من التصرف.
الفن الروسي في الرد على الأسئلة الخاطئة
توضح محاكمة كروكوس سيتي تمامًا طريقة بوتين: تحويل كل فشل أمني إلى انتصار قضائي. بدلاً من التساؤل عن ثغرات النظام، نحتفل بلا رحمة بعدالة القضاء. بدلاً من تحليل إخفاقات الاستخبارات، نعرض شدة العقوبات.
هذه الاستراتيجية ليست جديدة. بعد كل اعتداء، كل "حادث أمني"، يتبع الكرملين نفس السيناريو: اعتقالات مثيرة، محاكمات سريعة، إدانات نموذجية. والأهم من ذلك، صمت راديو حول الأسئلة الحقيقية.
كيف فاتت أجهزة الاستخبارات الروسية، التي تدعي مراقبة المعارضة حتى عاداتها الغذائية، التحضير لاعتداء بهذا الحجم؟ لماذا استغرقت قوات التدخل وقتًا طويلاً لتأمين المكان؟ ما الدروس المستفادة لتجنب تكرار مثل هذه المذبحة؟
كل هذه الأسئلة ستبقى بلا إجابة، غارقة في ضجيج الإعلام حول الإدانات.
المسرح القضائي كوسيلة لتحويل الانتباه السياسي
لأن الأمر يتعلق بذلك حقًا: مسرح قضائي يهدف إلى تحويل الانتباه عن المسؤوليات الحقيقية. من خلال إدانة المنفذين بشدة، تأمل موسكو في نسيان إخفاقات النظام. من خلال عرض صلابتها الجنائية، تخفي الكرملين ضعفها الأمني.
تعمل هذه الطريقة بشكل مثالي مع شعب اعتاد على الثقة في الدولة القوية بدلاً من الدولة الفعالة. لماذا نثقل كاهل أنفسنا بتحليلات معقدة عندما يمكننا تقديم كبش فداء محدد؟
المشكلة هي أن الإرهابيين الحقيقيين لا يشاهدون المحاكمات على التلفاز. إنهم يدرسون الثغرات، يحللون أوقات الاستجابة، ويعدون الضربات القادمة. وطالما أن روسيا ستفضل العرض القضائي على التأمل الأمني، ستبقى عرضة للخطر.
الحكم: العدالة مُنحت، الدروس مُهملة
تسعة عشر حكمًا بالسجن مدى الحياة لاعتداء كروكوس سيتي، هي العدالة تسير في مسارها. لكن صفر إعادة تقييم للنظام الأمني الروسي، هي الفرصة الضائعة لحماية المواطنين حقًا.
تتفوق روسيا في فن العقاب بعد وقوع الأحداث، لكنها تفشل بشكل مأساوي في فن الوقاية مسبقًا. بين دولة بوليسية غير فعالة ودولة قانون تحمي، اختارت موسكو أسوأ تركيبة: المراقبة دون الأمان.
الحكم: 8/10 لفعالية العدالة، 2/10 للأمان الصادق. روسيا تغلق ملف كروكوس سيتي، لكنها تترك الأبواب مفتوحة على مصراعيها أمام المأساة القادمة.
