هناك شيء يكشف بعمق في هذه الدقة العسكرية الأمريكية اليوم على جزيرة خارك. لم تُصَب أي مصفاة، ولم يتضرر أي مرفأ نفطي. فقط "مواقع عسكرية" مختارة بعناية، كما أشار مسؤول أمريكي: "لم تُستهدف البنية التحتية الاقتصادية." الترجمة: نحن نقصفكم، لكننا نترك نفطكم. ونفطنا بالتبعية.
تقول هذه الحرب الجراحية كل شيء عن أمريكا في عام 2026. بلد لا يزال يريد أن يلعب دور شرطي العالم لكنه يرتعد أمام العواقب الاقتصادية لأفعاله. لأن وراء هذه الحذر التكتيكي تكمن حقيقة محرجة: واشنطن تخاف أكثر من انهيار الأسواق من ترسانة إيران.
الأرقام تتحدث عن نفسها. وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، ارتفعت أسعار النفط بالفعل بنسبة 40% منذ بداية هذا الصراع. تخيلوا ما سيحدث إذا هاجم الأمريكيون فعليًا قدرات التصدير الإيرانية. البنزين بـ3 دولارات للجالون؟ 4 دولارات؟ ومعه، التضخم الذي يعود، والاحتياطي الفيدرالي الذي يهلع، وبايدن - أو خلفه - الذي يرى فرص إعادة انتخابه تتبخر في بخار البنزين.
ها هو تناقض هذه القوة العظمى المتعبة: لديها أقوى قوة عسكرية في التاريخ، لكنها محاصرة في اقتصاد عالمي يحد بشكل كبير من هامش مناورتها. إيران فهمت ذلك تمامًا. من خلال التمركز في قلب طرق الطاقة العالمية، قدمت طهران لنفسها أفضل تأمين على الحياة.
هذا الحذر الأمريكي ليس حكمة، بل هو عجز مقنع. لأنه أخيرًا، من اثنين: إما أن إيران تمثل تهديدًا وجوديًا يبرر استخدام القوة، أو لا تمثل ذلك. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتم استثناء مصادر دخلها؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا يتم قصفها؟
الإجابة تكمن في كلمة واحدة: مسرحية. أصبحت هذه الحرب عرضًا للاستهلاك الداخلي، حيث يلعب كل طرف دوره دون أن يسعى حقًا لتحقيق النصر. أمريكا تضرب بقوة كافية لإرضاء صقورها، لكنها ليست قوية بما يكفي لزعزعة الاقتصاد العالمي. إيران ترد بما يكفي للحفاظ على مصداقيتها الإقليمية، لكنها تتجنب بعناية تجاوز الخطوط الحمراء التي قد تؤدي إلى تصعيد غير قابل للتحكم.
المشكلة هي أن هذه الحرب الشكلية لا تحل شيئًا. والأسوأ من ذلك، أنها تحافظ على وضع سام حيث يمكن لكل طرف أن يدعي الدفاع عن مصالحه الحيوية بينما يتجنب اتخاذ القرارات الحقيقية. تستمر إيران في تطوير قدراتها العسكرية، وتحتفظ الولايات المتحدة بوجودها الإقليمي، وينغمس الطرفان في صراع منخفض الشدة قد يستمر لعقود.
تظهر هذه المقاربة "الخفيفة" للحرب أيضًا تمييع آراء الجمهور الغربي. يبيع لنا قادتنا الوهم بأنه يمكننا خوض صراعات دون دفع الثمن. أن التكنولوجيا العسكرية الحديثة تسمح بـ "جراحة" العنف إلى درجة تجعله غير مؤلم لمجتمعاتنا. هذا غير صحيح، وخطير بشكل ساذج.
لأنه بينما تحسب واشنطن ضرباتها بدقة لتجنب صدمة نفطية، تلعب إيران، من جانبها، لعبة أكثر تعقيدًا. كل صاروخ أمريكي يتجنب بعناية منشآتها الطاقية يؤكد لها أنها تمتلك رافعة استراتيجية رئيسية. لذا يمكن لطهران أن تستمر في رفع الرهانات، وهي تعلم أن أمريكا تحد من نفسها.
تطرح هذه الحرب ذات الأبعاد المتغيرة سؤالًا أساسيًا حول مصداقية الردع الغربي. كيف يمكن لمنافسينا أن يأخذونا على محمل الجد عندما تكشف أفعالنا عن أولوياتنا الحقيقية؟ عندما يرون أننا نفضل الحفاظ على مصالحنا الاقتصادية بدلاً من تحمل عواقب مبادئنا الجيوسياسية؟
الغرابة، هي أن هذا الحذر، الذي يُقدم كمسؤولية، قد ينتج تأثيرًا عكسيًا. من خلال إظهار أنها غير مستعدة لدفع الثمن الباهظ لطموحاتها، تشجع أمريكا خصومها على اختبار حدودها أكثر. التصعيد الذي تسعى لتجنبه اليوم، قد تجعل منه أمرًا لا مفر منه غدًا.
لقد حان الوقت لقادتنا أن يتوقفوا عن اعتبارنا أطفالًا غير قادرين على قبول العواقب الحقيقية لاختياراتهم الجيوسياسية. إما أن نتحمل تكلفة سياسة الحزم، أو نعترف بحدودنا ونكيف طموحاتنا وفقًا لذلك. لكن هذه الحرب الرخيصة، حيث نضرب العدو بينما نحافظ على نموذج أعماله، لا تخدع أحدًا. خاصة العدو المعني.
