بينما كانت الأسواق الأوروبية تغلق أبوابها في الساعة 17:30 يوم الخميس، تاركة وراءها يوماً من التقلبات الشديدة، اكتشف المتداولون في وول ستريت واقعاً قاسياً: أكبر اضطراب نفطي في التاريخ ليس حادثاً. إنه النتيجة المنطقية لعقود من الإهمال الجماعي.
لقد حولت إيران مضيق هرمز إلى قفل طاقة عالمي، مشلولةً حركة الناقلات من خلال مجرد تهديدات بالهجمات. وفقاً للوكالة الدولية للطاقة، نحن نشهد "أكبر اضطراب في إمدادات النفط تم تسجيله على الإطلاق". عبارة ينبغي أن تجمد دماء أي شخص يفهم ما تمثله هذه الـ 21 كيلومتراً من العرض بين إيران وعمان.
كذبة تنويع الطاقة
لأن هذه هي الحقيقة التي لا يريد أحد أن يقولها: لم نقم أبداً بتنويع إمداداتنا من الطاقة حقاً. لقد ضاعفنا فقط المصادر التي تمر جميعها عبر نفس عنق الزجاجة. حوالي 21% من النفط العالمي و25% من الغاز الطبيعي المسال يمر عبر هذا المضيق. عندما تغلق إيران الصنبور، فإن الاقتصاد العالمي يختنق.
قفزت أسعار برنت بنسبة 15% عند افتتاح الأسواق الأمريكية صباح اليوم، بينما كانت المؤشرات الأوروبية تغوص قبل إغلاقها. هذه التزامن المثالي بين المناطق الزمنية يكشف عن ترابط يتظاهر قادتنا بتجاهله: عندما تعطس طهران في الساعة 20:37 بالتوقيت المحلي، تصاب نيويورك بالزكام في الساعة 11:37.
اعترف وزير الطاقة الأمريكي رايت بصدق مدهش أن الولايات المتحدة "ليست مستعدة بعد لمرافقة الناقلات عبر مضيق هرمز". ترجمة: القوة العسكرية الأولى في العالم تعترف بعجزها أمام دولة تفرض عليها العقوبات منذ أربعين عاماً.
الفشل المبرمج للاستراتيجية الغربية
تكشف هذه الأزمة عن عبثية نهجنا الجيوسياسي. لقد قضينا عقوداً في فرض العقوبات على إيران بينما كنا نعتمد على طريق تجاري تتحكم فيه. إنه كمن يصفع شخصاً بينما يسلمه مفاتيح منزله.
الأرقام لا ترحم: منذ عام 2018، خفضت العقوبات الأمريكية الصادرات الإيرانية من 2.5 مليون إلى 1.3 مليون برميل يومياً. لكننا استمررنا في تمرير نفطنا السعودي والإماراتي والكويتي عبر نفس الممر الذي يمكن لإيران إغلاقه بغمضة عين.
من يستفيد من هذه الوضعية؟ بالتأكيد ليس المستهلكون الأوروبيون الذين سيرون فواتيرهم للطاقة تتفجر صباح الغد عند افتتاح الأسواق. ولا الشركات الأمريكية التي سترتفع تكاليف شحنها. الفائزون الكبار واضحون: منتجو النفط غير المعتمدين على المضيق (الولايات المتحدة، كندا، النرويج) والمضاربون الذين راهنوا على التقلبات.
قصر نظر الأسواق المالية
ما يلفت الانتباه في هذه الأزمة هو المفاجأة المتظاهرة للأسواق. كما لو أن الخطر الجيوسياسي في مضيق هرمز كان جديداً. المحللون الذين يكتشفون اليوم "هشاشة" هذا الطريق التجاري يتظاهرون بنسيان أن إيران تهدد بانتظام بإغلاقه منذ عام 1979.
ستكتشف البورصات الآسيوية، التي ستفتح في غضون ساعات (طوكيو في الساعة 01:37 بالتوقيت المحلي، شنغهاي في الساعة 00:37)، واقعاً تتجرعه أوروبا وأمريكا بالفعل: نظامنا الطاقي العالمي هو بيت من ورق جيوسياسي.
ستكون بورصة أبوظبي، التي ستغلق أبوابها في الساعة 14:00 غداً بالتوقيت المحلي، تحت المراقبة بشكل خاص. تمثل الإمارات العربية المتحدة، المحاصرة بين تحالفها مع الغرب وقربها الجغرافي من إيران، تناقضات هذه الأزمة بشكل مثالي.
فاتورة أربعين عاماً من العمى
هذه الشلل في مضيق هرمز ليس بجوّاز أسود. إنها فاتورة أربعين عاماً من السياسة الطاقية الشيزوفرينية. لقد استثمرنا مليارات في الطاقات المتجددة بينما حافظنا على اعتمادنا على ممر بحري تسيطر عليه نظام نعتبره معادياً.
يقدم نيويورك تايمز وCNBC نفس الحقائق، لكن لا أحد يطرح السؤال الحقيقي: كيف تمكنا من بناء أمننا الطاقي على مثل هذه الهشاشة؟
الإجابة بسيطة: لأنه كان مربحاً على المدى القصير. وفرت شركات النفط مليارات من خلال تجنب الطرق البديلة الأكثر تكلفة. أغمضت الحكومات أعينها لأن الأسعار المنخفضة كانت تناسب ناخبيها. والآن، نحن ندفع الفاتورة.
وهم القوة العسكرية
تكشف اعترافات العجز من الوزير رايت عن حقيقة مزعجة: القوة العسكرية لا تفيد شيئاً عندما نبني هشاشتنا في بنية النظام نفسه. يمكن للولايات المتحدة تدمير أي دولة، لكنها لا تستطيع حماية مضيق بطول 21 كيلومتراً بشكل فعال دون المخاطرة بحرب عالمية.
قد تكون هذه الأزمة علامة على نهاية الوهم الغربي القائل بأنه يمكن فرض عقوبات على دولة مع الاستمرار في الاعتماد على حسن نواياها الجغرافية. لقد ذكرتنا إيران أن الجغرافيا هي القدر.
غداً صباحاً، عندما تعيد الأسواق الأوروبية فتح أبوابها في الساعة 09:00، ستكتشف واقعاً طاقياً عالمياً جديداً. واقع حيث يمكن لدولة من 85 مليون نسمة أن تشل الاقتصاد العالمي من خلال إغلاق ممر بحري كان ينبغي علينا تأمينه أو التحايل عليه منذ عقود.
السؤال الحقيقي لم يعد متى ستنتهي هذه الأزمة، بل كم من عنق الزجاجة الأخرى أهملناها بسبب العمى الاقتصادي.
