هناك شيء عميق الفظاعة في هذه المشهد. بينما يتبجح دونالد ترامب أمام حشد سعودي قائلاً إن إيران "تتوسل من أجل اتفاق"، يرقد اثنا عشر جندياً أمريكياً في مستشفى عسكري، ضحايا لصواريخ إيرانية اخترقت الدفاعات الأمريكية كأنها ورق رقيق.
نحن في 28 مارس 2026، وهذه الهجمة على قاعدة أمريكية في السعودية تمثل، وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز، "واحدة من أخطر انتهاكات الدفاعات الجوية الأمريكية" منذ بداية الصراع مع إيران. اثنا عشر جريحاً، ليس حادثاً دبلوماسياً يمكن حله بالابتسامات والمصافحات. إنه عمل من أعمال الحرب يتطلب رداً واضحاً.
لكن ترامب يفضل أن يلعب دور الساحر. "إيران تتوسل من أجل اتفاق"، يطلقها بتلك الثقة التي جعلت منه شخصية سياسية ناجحة. حقاً؟ الصواريخ التي تتساقط على قواعدنا العسكرية، هل هي طريقتهم في التوسل؟ الطائرات المسيرة التي تتجاوز أنظمتنا الدفاعية الأكثر تطوراً، هل هي دعوة للحوار؟
هذه الفجوة ليست حادثاً. إنها تكشف عن الآلية الفاسدة لسياسة خارجية تحولت إلى عرض دائم. يحتاج ترامب إلى بيع نجاح دبلوماسي لجمهوره الانتخابي، بغض النظر عن واقع الميدان. لذا، يحول كل تصعيد عسكري إلى "دليل" على أن الخصم "يريد التفاوض". إنها مهارة سياسية بحتة.
الأكثر إزعاجاً هو أن هذه البلاغة تعمل. كم عدد الأمريكيين الذين سيتذكرون اقتباس ترامب بدلاً من الجرحى الاثني عشر؟ كم عدد الذين سيصدقون أن إيران "تتوسل" بدلاً من رؤية أنها تضرب بدقة جراحية؟ تمتلك الاتصالات السياسية الحديثة هذه القدرة الساحرة على عكس الواقع: تصبح الحقائق ثانوية، ما يهم هو السرد.
في هذه الأثناء، يدفع جنودنا ثمن هذه الشيزوفرينيا الدبلوماسية. يتم نشرهم في منطقة متفجرة، رسمياً لـ "ردع" إيران، لكن في الواقع ليكونوا واجهة لسياسة حركات اليد. عندما تسقط الصواريخ، هم من يتحملون. عندما يدلي ترامب بتصريحاته المتفائلة، يبقون على الهامش.
السعودية، من جانبها، تلعب دورها المعتاد: تستضيف القواعد الأمريكية التي تحميها بينما تحافظ على علاقات غامضة مع إيران. لقد فهمت الرياض منذ زمن طويل أن أفضل استراتيجية هي ترك واشنطن وطهران يستنزفان بعضهما البعض بينما تعزز موقعها الإقليمي. يصفق السعوديون بأدب لتصريحات ترامب بينما يعرفون تماماً أن إيران لا "تتوسل" من أجل أي شيء.
تظهر هذه الهجمة أيضاً الحالة المقلقة لدفاعاتنا. إذا كانت الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية قادرة على اختراق أنظمتنا الأكثر تقدماً، فما قيمة تفوقنا التكنولوجي الذي نفاخر به؟ ننفق مليارات على معدات يُفترض أن تجعلنا محصنين، وها هي إيران تثبت العكس بأسلحة تنتجها بنفسها.
لكن الأخطر هو التهوين المنهجي للرأي العام. يقدم لنا ترامب نسخة مخففة من الواقع، كما لو كنا غير قادرين على فهم التعقيد الجيوسياسي. يخبرنا أن إيران "تتوسل" لأنه يعتقد أننا نفضل القصص الخيالية على التحليلات الواضحة. والأسوأ من ذلك، أنه على الأرجح محق.
هذه الطريقة ليست جديدة. جميع الرؤساء الأمريكيين كذبوا بشأن حروبهم، من جونسون في فيتنام إلى بوش في العراق. لكن ترامب يدفع الرذيلة إلى أبعد من ذلك: لا يكتفي بالكذب بشأن النتائج، بل يكذب بشأن الواقع نفسه للأحداث الجارية. تصبح الصواريخ "توسلات"، والهجمات "مفاوضات".
إيران، من جانبها، فهمت هذه المنطق تماماً. تعرف طهران أن ترامب يحتاج إلى "انتصارات" دبلوماسية لصورته. لذا، يقوم النظام الإيراني بتوزيع provocations: بما يكفي للحفاظ على الضغط، وليس بما يكفي لإشعال حرب شاملة. هذه الهجمة في 28 مارس تأتي في إطار هذه الاستراتيجية: الضرب بقوة، ولكن ليس كثيراً، حتى يتمكن ترامب من الاستمرار في الادعاء بأن "كل شيء على ما يرام".
النتيجة؟ تصعيد مُسيطر عليه يسمح لكل طرف بالحفاظ على ماء الوجه بينما يستعد للجولة التالية. يمكن لترامب الاستمرار في بيع "نجاحاته" الدبلوماسية، ويمكن لإيران أن تُظهر قدرتها على الإضرار، ويمكن لجنودنا أن يستمروا في كونهم متغيرات في هذه اللعبة من البوكر الكاذب.
حان الوقت لمواجهة الواقع: إيران لا "تتوسل" من أجل أي شيء. إنها تختبر، تضرب، وتقيس ردود أفعالنا. وطالما أننا سنفضل الأوهام المريحة على التحليلات الواضحة، سنستمر في عد جرحانا بينما يعد قادتنا نقاطهم في الاستطلاعات.
